علي الهجويري

234

كشف المحجوب

من تفضل اللّه عليه يكون قريبا منه . فالراهب في صومعته ربما كان بعيدا عن اللّه والعاصي في معصيته ، حتى وهو في الخرابات ، ربما كان قريبا منه ، وإن أكرم شيء في هذه الدنيا هو إيمان الأطفال الذين لم يكلفوا بظاهر الشرع ، والمجانين الذين هم من هذا النوع أيضا ، فإذا لم تكن المجاهدة وذلك لأن المجاهدة سببا في نيل أكبر العطايا فلا لزوم للأسباب في الأعمال الصغرى . أقول أنا علي بن عثمان الجلابي : ان الفرق بين هاتين الطائفتين ليس إلا في العبارة : إحداهما تقول من طلب وجد . والأخرى تقول من وجد طلب . فالبحث هو سبب الوجود وليس بأقل من أن نعتبر أن الوجود هو سبب البحث ففريق يعتمدون على المجاهدة لنيل المشاهدة . والآخرون يعتمدون على المشاهدة لنيل المجاهدة هي في مقام واحد بالنسبة للمشاهدة مع توفيق اللّه ، الذي هو عطاؤه لطاعته ، لأنه من الخطأ المحض أن يطلب الإنسان الطاعة بدون التوفيق كذلك من العبث أن يطلب التوفيق بدون طاعة ، وحيث أنه لا مجاهدة بدون مشاهدة ، فلا مشاهدة بدون مجاهدة ، والإنسان يساق إلى المجاهدة بومض من الجمال الإلهى ، كما أن هذا الومض هو سبب في وجود المجاهدة ، فالهداية إذا سابقة للمجاهدة . أما بخصوص ما استدل به سهل وأتباعه من أن إنكار المجاهدة يوجب جحود الشرائع الإلهية ، التي أنزلها اللّه تعالى للعمل بها ، فهذه القضية تحتاج إلى تصحيح ، لأن التكليف مبنى على الهداية ، وأعمال المجاهدة إنما تستعمل لإثبات آيات اللّه لا للاتحاد معه . قال اللّه تعالى : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 1 » ، وقال تعالى : الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ « 2 » .

--> ( 1 ) سورة الأنعام : آية 111 . ( 2 ) سورة البقرة : آية 6 .